كيف نتعلم لغة؟ - 3
من الرائج في المدارس و بين معلمي اللغة الإنجليزية أن يقوموا بتعليم الأطفال مفردات اللغة بطريقة صوتية ، أي تعليم الأطفال كيفية نطق كل حرف ، و تعويدهم على تركيب هذه الأصوات بالتسلسل لقراءة الكلمات. كنت مهتما بهذه الطريقة و جمعت فيها مادة استخدمتها و شاركتها مع بعض الزملاء و ذلك في بدء عملي بالتدريس. لاحقا وجدت أن هذه الطريقة ليست طريقة فعالة لتعليم القراءة ، و إن كانت لها بعض الفوائد على المدى القصير ، فتركت العمل بها.
في الحياة الطبيعية – التي نعلم أولادنا من أجل إعدادهم لها – نقرأ نصوصا و ليس كلمات مفردة في الأغلب الأعم. و بحسب النص الذي نقرؤه ، و بحسب الغرض الذي نقرأ من أجله ، تختلف الطريقة التى نقرأ بها النص. فأحيانا نحتاج للقراءة المتأنية ، و أحيانا نقرأ بسرعة مهملين بعض الكلمات و مركزين على غيرها. اللافت أن معظم قراءتنا تكون صامتة ، فنحن نقرأ بصوت لكن داخل عقولنا دون أن تتحرك ألسنتنا. طبعا نصل إلى هذه المرحلة بعد أن أتقنا نطق الكلمات التي نقرأها ، و بعد أن مارسنا القراءة طويلا. لكن إذا صادفتنا كلمة جديدة أو طويلة – كمصطلح علمي مثلا – فإننا نبطيء القراءة و نتمهل و نحاول نطق الكلمة حرفا حرفا.
ما أريد بيانه هنا أن الأصل أننا نتعامل مع اللغة في نصوص – مسموعة أو مكتوبة – فإذا كان تعليم القراءة يهدف في الأخير إلى أن يصبح الطفل قادرا على قراءة نصوص – طويلة أو قصيرة – فإن الطريقة الصوتية لا تحقق هذا الهدف.
من وجه آخر ، فإننا قد عرفنا أن اللغة المكتوبة هي صورة للغة المنطوقة ، و نحن عندما ننطق و نتكلم ، فإننا نتحدث بعبارات – و أحيانا كلمات – متصلة و ليس أصوات نضمها إلى بعضها واحدا واحدا. إذن فالأولى أن نعلم أولادنا القراءة من مدخل الكل – الكلمات و العبارات و النصوص – و ليس الجزء – الحروف و الأصوات – لأنه انعكاس مباشر للغة التي يعرفونها و يتكلمون بها أصلا.
و قد لاحظت أثناء عملي أن الأطفال – أو بعضهم – الذين تعلموا القراءة بالطريقة الصوتية ربما يكون لديهم جرأة على قراءة الكلمات الجديدة و التي قد ينطقونها أخيراً بشكل صحيح أو خاطيء ، لكنهم لا يستطيعون قراءة نص قراءة طبيعية تساعدهم – و تساعد من يسمعهم – على الفهم. (ربما كتبت عن ذلك مقالا آخر.)
أختم بنقطة أخرى و هي أن قدرتنا – كبشر – على استيعاب الأمور بشكل عام أو من منظور كلي عادة ما تكون أيسر أو أدعى إلى الفهم من تحليل الكل إلى جزئيات. و التحليل – كما نعرف – هو من القدرات العقلية العليا التي تتطور مع الوقت و تستلزم التدريب. و لو استرجعنا خبراتنا المدرسية لتذكرنا كيف أن ما درسناه في الصفوف العليا أكثر تفصيلا من الصفوف الأولى – و ليس العكس.
و نضرب مثلا للتقريب. فكثير منا يستطيع قيادة سيارة أو استخدام جهاز إليكتروني معقد ، لكن كم واحد منا يعرف كيف يعمل محرك السيارة أو هذا الجهاز المعقد؟ كذلك فإن تعلمنا للغة ما لا يتطلب بالضرورة إلماما بدقائق تفاصيل النطق ، و إنما فقط أذن واعية و لسان مقلد.
موضوع ذو صلة:
تعليقات
إرسال تعليق